محمد قاسم الصالحي
تـُعد الدعوة التي وجهتها الحكومة التركية الى السيِّد مُقتدى الصَدر، والمؤتمر الصدري الذي عُقد في أعقاب اللقاءات الرسمية التي جرت بين زعيم التيار وقادة الجمهورية التركية، والنتائج المتمخضّة عن تلك اللقاءات
إنجازا ديبلوماسيا وسياسيا مشتركا قطف، ويقطف ثماره كلا الطرفين ويعكس في ذات الوقت، القراءة الصحيحة لتفاصيل المشهد السياسي العراقي من قبل الحكومة التركية بشكل يفوق مثيلاتها العربية المنساقة خلف وسائل الإعلام في رسم منهجية تعاطيها مع الواقع السياسي والأطراف الأساسية المؤثرة فيه. من هنا تأتي الضبابية التي تنظر بها بعض الأطراف العربية للزيارة أو المؤتمر الذي عُقد على هامشها، والناتجة عن التوصيف غير الدقيق لمجمل الحدث، خاصة المتعلق منه، بما أطلق عليها بعضهم " الظهور المفاجئ" لزعيم التيار.
ليس هناك مايدعو للمفاجأة، فلم يكن للإنجازات الكبيرة التي تحققت على أرض الواقع العراقي، "رغم الشد العكسي لبعض الأطراف"، لم يكن لها أن تكون، لولا الوجود الفاعل لهذه الزعامة الوطنية الحقة. وما التظاهرة المليونية الأخيرة في بغداد، والتلاحم الوطني الذي سبقها في سامراء، والإستتباب الأمني من قبل، سوى شواهد على الحضور المتميز للسيد مقتدى الصدر مع أبناء شعبه، في كل الظروف وبأشكال مختلفة، ناهيك عن بياناته التي لاتكاد تخلو منها مناسبة وطنية أو دينية، مثلما إتسعت هذه البيانات لتتناول في أحايين أخرى هموم إقليمية وفي أكثر من أزمة. إلا إن ماحدث يكاد ينحصر في كون السيد داوود أوغلو وزير خارجية تركيا الجديد، الحريص على نسج خيوط علاقة بلاده بشعوب المنطقة، أكثر إلماما بما جرى ويجري حوله، بالمقارنة مع المعنيين بالديبلوماسية العربية، الذين يُفترض أن يكونوا أكثر إهتماما من غيرهم في فِهم مايدور في العراق. وما لم يُدركه بعد، الكثير منهم!، هو إن هذا التيار المتـّسع (يوما بعد آخر) وزعامته الوطنية، كانوا ولازالوا جزءا رئيسياً من الحلول داخل العراق، ولهم أن يشكلوا أيضا، حضورا فاعلا في مستقبل المنطقة عموماً.
أصالة الجذور التاريخية العراقية لهذا التيار ونقاوة عروبة زعامته، كانت الدافع الرئيسي وراء الضغوطات الإعلامية والسياسية الداخلية التي يتعرض لها التيار بين الفينة والأخرى. كما هي نتيجة أيضا، لمواقفه الصريحة والمعلنة إتجاه وحدة وإستقلال العراق وتكريس هويته العربية والإسلامية، مما شكـَّل دافعا مضافا، ساهم في تحريك وإثارة بعض التحاملات التي تكنها تلك الأطراف ممن لايروق لهم ذلك.
فيما يخص العراق "تحديدا"، لازالت الديبلوماسية العربية رهن "التقليد" الجاهلي، منهمكة في البكاء على الأطلال، غير عابئة بالإنفتاح الجدي على مفردات التغيير في الواقع السياسي العراقي المتحرك والقوى الموجِّهة له والمؤثرة فيه، مما يترك إنطباعات شعبية عراقية "غير إيجابية"، إتجاه الركود الديبلوماسي العربي في التعامل مع العراق وقواه الفاعلة (خاصة). في المقابل ظلـّلت ديناميكية الديبلوماسية التركية، الأجواء السياسية العراقية، عندما أدركت ومن خلال وزير خارجبتها الجديد، ضرورة التحرك الجدي، والحوار المباشر غير المشروط، مع أطراف تمتلك مفاتيح الحلول في العراق، وربما المنطقة فيما بعد.
التقارب في الرؤى وبلورة المواقف، لاتتم عبر "التخاطر عن بُعد"، أو إلتزام الأحكام النمطية المسبقة إتجاه الآخر، إنما الطاولة المستديرة وحدها الكفيلة بإستنهاض المشتركات ومن ثم بناء التضامن الحقيقي والتنسيق الفعّال بين كافة الأطراف الداخلية منها، والإقليمية.