كأنهم على موعدٍ خطته يد الرحمة ، كأنهم رسل من الشوق الأزلي من بني الإنسان لكل ما هو مقدس ، ونقي ، وسماوي... حملوا جراحاتهم على أكف الطاعة ، عسى ان يجود عليهم فيضك يا "شامريا" بلسماً ودواءً عجزت عنه أقوال المحمومين بكل ما هو مادي ، و(مخطّط) و(محسوب) ...
سيقولون مليوناً ، وسيجرأ البعض مصراً على إقحام الإحصائيات في كل ما هو جميل ، ومبارك ، مليونان ، ونيف من بني الإنسانية ، ولكن مهلاً مهلا....
أيستطيع أحدنا أن يحتسب للنور ، للحبور، للقداسة ،ميزاناً ..أو معايير أو وحدات للقياس ؟؟
أيمكن لنا أن نزِن الرحمة حين تفيض من اللامتناهي الى الفاني والمحتاج ، ولو كان بعضنا لبعضً ظهيرا ؟؟
فإذا عجزنا عن هذا وذاك ، فالأجدر بنا أن نردد مع أنفسنا ...لا منتهى لرحمتك ، و لا نهاية لبركاتك ،او لست أرحم حالاً بنا من الأم على وليدها ؟
لن تهمني الأعداد ، ولا أرقام الإحصائيات بقدر ما يملئني الفخر والحبور وأنا أرى عراقيان يجتمعان في حب الله !
هناك ، كان للحلّ معنى آخر ، وكان للعشق المقدس معنى آخر ، وكان العراق لكل العراقيين ، لم تفت في عضدهم المحاصصة ، ولا الكراسي الهزيلة فيقسمّون وينقسمون ، ولم تؤرق احلامهم تكتلات وأهواء أحلاها مــرّ.....
ولأن (ما من بلية إلا ولله فيها نعمة تحيط بها) كما قال الإمام الحسن العسكري عليه صلوات الله ، ولأن (طيب القلب يتبع المعصوم) كما عبر شهيد الله ،محمد الصدر ،فإن كل اختلافاتنا وشجوننا وتوجساتنا من (الآخر) المزروع فينا رغماً عنا بفعل دوائر الشر وأساطين الظلام ،كلها تلاشت في حضرة القدس الأكبر ، حيث مضان استجابة الدعاء ، ورحض الهموم ، إخوة متحابين تجمعهم وحدة الإنتماء الى خط الرسالة المحمدية الاصيل ، والخوف (على) الوطن ،وليس (من) الوطن...
ومن هنا جاءت الخيبة والخسران لكل من راهن على حتمية تفسخ الروابط بين الإخوة ، وقد غرهم في ذلك من باع آخرته بدنياه ممن ربتهم أمريكا وبريطانيا واسرائيل لوقتهم المعلوم ، والجثث (مجهولة الهوية) وبضعة من الهمج الرعاع ،
فكان أن أرتدت اليهم (عدساتهم) خاسئة مهزومة ، لأن (يد الله فوق أيديهم) دائماً وابدا....
أحدى وسائل الإعلام ذات الباع الطويل في بث سموم الفرقة ،جاءت عناوينها في اليوم التالي لملحمة سامراء العظمى.....
1-(الأولى منذ سقوط النظام السابق)-كمقدمة ،
2- (الآلاف من شيعة العراق يحييون ذكرى وفاة الامام العسكري) –كعنوان بارز
3-وتوسط الخبر صورة تبين برواز زجاجي فيه مجسم لتفجير الإمامين حيث امتلء بالنقود من مختلف الفئات فيما التصقت فتاة محجبة في الثانية عشر من عمرها تقريباً باللوح الزجاجي وهي تقبّله !
ولا اريد الدخول في تفاصيل التعليقات المعدة سفاً لمثل هذا الموضوع ، ولعل القارئ قد حفظ عن ظهر قلب كل فتاوي التكفير والخروج عن الدين والملة التي يمكن أن يجود بها جماعات الامر بالمعروف والنهي عن المنكر على شكل تعليقات غبية .....
وبلمحة سريعة يمكن ايجاز ما يمكن ان توحي به هذه المقالات المدسوسة، بالنسبة لـ(1) فهي إيحاء مكشوف (جداً) بالنسبة لعشاق ومريدي نظام البعث ليصبوا على نار فراقهم السلطة والجاه زيتاً يجعلهم يرددون حتى وهم نيام (آه لو كان صدام موجود....) .
أما العنوان البارز (2) فهو تحجيم لنوع وحجم وأهمية الزيارة ،فلا الشيعة وحدهم من شد الرحال الى سامراء ، ولكن ربما لأن الأمر اختلط عليهم للمرة الاولى منذ 2003 فلم يميزوا بين شيعي وسني وكردي وتركماني ،ولم تعد (الدشايش القصيرة) تبدو في صورة المشهد كنقطة دالة على التطرف والتكفير ،وايضاً ل، جميع الزوار كانوا (عراقيين) و(مؤمنين) قبل أن يكونوا إنفصاليين ومذهبيين .
واما الصورة فهي لدس السم بالعسل ولتأكيد أن الزيارة هي طقس شيعي محض ،علماً أن الصورة لا تخص سامراء اصلاً فهي من حجارة القبتين الطاهرتين اللتين فجرهما الارهاب الامريكي-القاعدي وقد وضعت في اغلب المدن المقدسة ومنها كربلاء الحسين منذ فترة طويلة !
ان علي الهادي وابو محمد الحسن العسكري عليهما السلام ليسا حكراً على اتباع مذهب آل محمد ، بل هم حجة عليهم قبل غيرهم ، وهما إماما المسلمين جميعاً رضى من رضى وأبى من ابى ، كما أن جدهما رسول الله صلى الله عليه وآله هو نبي كل البشر ، مسلمين ومسيحيين ويهود وبوذيين وملاحدة ووجوديين وغيرهم.
قال الإمام العسكري (عليه السلام): الفقر معنا خير من الغنى مع غيرنا والقتل معنا خير من الحياة مع عدونا، ونحن كهف لمن التجأ إلينا ونور لمن استبصر بنا وعصمة لمن اعتصم بنا، من أحبّنا كان معنا في السنام الأعلى ومن انحرف عنا فإلى النار.
كل الحب اليك يا (سومــرا) يا من على أرضك المعطاء كانت ملحمة الوطن الأكبر من كل انتخاباتهم وهراءاتهم ....وصدق العسكري عليه السلام حين قال فيك : أخرجت إلى سر من رأى كرهاً ولو أخرجت عنها ، أخرجت كرهاً ، فسأله سائل : ولِمَ يا سيدي ؟ قال : لطيب هوائها وعذوبة مائها وقلة دائها.
يــا أيها الفجر المنتظر ، أذن في دجى الليل تنبلج عنا هموم القحط وجراحات الفضيلة.....
ولابن العراق ،النبيل مقتدى الصدر سلاماً وتحية وقرة عين له ولآبائه رضوان الله تعالى عليهم ، أن فقئتم يا شعب العراق عين الفتنة ، ونصرتم دين الله ....